عبد الكريم الخطيب
875
التفسير القرآنى للقرآن
إن الحقيقة الفردية لا وجود لها في منطق العقل ، فهو لا يعرف الشيء ، ولا يعترف به ، إلا إذا عرف المقابل له ، ولو كان هذا المقابل عدما وسلبا . . فهو إن عجز عن أن يجد في عالم الواقع ما يقابل أو يضاد الشيء الذي بين يديه ، انتزع من صفات العدم والسلوب لهذا الشيء ، مشخّصات يقيم منها شخصية تقابله مقابلة التضاد والعناد . . فالوجود يقابله العدم ، والحياة يقابلها الموت . . وهكذا . . يقول الفيلسوف الأمريكى « وليم چيمس » : « إننا لا ندرك تمام الإدراك ؛ القضية الصادقة ، حتى نعلم مضمون ما يناقضها من قضايا كاذبة . . فالغلط ضروري ليظهر الحقيقة على أحسن منوال ، كما أن ظلام الجانب الخلفي - في آلة التصوير - ضروري ليظهر صفاء الصورة ونضارتها » . ولعمر بن الخطاب - رضى اللّه عنه - كلمته المأثورة : « من لم يعرف الشرّ جدير بأن يقع فيه » . وعن طريق هذه الثنائية للأشياء ، استطاع العقل أن يبعث الحياة في الكائنات الجامدة ، وأن يقيم من المعاني المجرّدة مشخصات ، حين يجمع بين المتضادات ، ويقابل بين المتناقضات ، فتتعاند ، وتتصادم ، ويتولد من تعاندها وتصادمها واحتكاكها ، شرارات المعرفة ، التي تكشف للعقل عن حقيقتين في وقت معا ، عند معالجته لحقيقة واحدة . . هما : الشيء وضده ، أو الشيء ومقابله . وعن هذه الثنائية ، نشأ هذا التلازم بين الخير والشر . . فإذا ذكر الخير ، ذكر معه الشرّ ، وظهرا معا في مجال الفكر متقابلين ، تقابل الصورة وسالبها في عمل للصورة « الفتوغرافية » . والسؤال هنا هو : هل هذا التلازم بين الخير والشر أمر واقع في الحياة ؟